محمد جمال الدين القاسمي
206
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الرابع - ( لا ) في قوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ قيل إنها ردّ لمقدّر . أي : تفيد نفي أمر سبق . والتقدير : ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك . ثم استأنف القسم بقوله وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ وقيل : مزيدة لتأكيد النفي الذي جاء فيما بعد أعني الجواب . لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن . وقيل : إنها مزيدة لتأكيد معنى القسم . وارتضاه الزمخشريّ . قال : كما زيدت في لِئَلَّا يَعْلَمَ [ الحديد : 29 ] ، لتأكيد وجوب العلم . قال في ( الانتصاف ) يشير إلى أن ( لا ) لما زيدت مع القسم ، وإن لم يكن المقسم به ، دلّ ذلك على أنها إنما تدخل فيه لتأكيد القسم . فإذا دخلت حيث يكون المقسم عليه نفيا ، تعين جعلها لتأكيد القسم ، طردا للباب . أو الظاهر عنده ، واللّه أعلم ، أنها هنا لتوطئة النفي المقسم عليه . والزمخشريّ لم يذكر مانعا من ذلك . وحاصل ما ذكره مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات . وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة . على أن في دخولها على القسم المثبت نظرا . وذلك أنها لم ترد في الكتاب العزيز إلا مع القسم حيث يكون بالفعل . مثل لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد : 1 ] ، لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [ القيامة : 1 ] ، فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [ التكوير : 15 ] ، فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [ الواقعة : 75 ] ، فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ [ الحاقة : 38 - 39 ] ، ولم تدخل أيضا إلا على القسم بغير اللّه تعالى . ولذلك شرّ يأبى كونها في هذه الآية لتأكيد القسم . ويعين كونها للتوطئة : وذلك أن المراد بها في جميع الآيات التي عددناها تأكيد تعظيم المقسم به . إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له . فكأنه بدخولها يقول : إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها ، كلا إعظام . يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك . وهذا التأكيد إنما يؤتى به رفعا لتوهم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم ، وللإقسام بها . فيزاح هذا الوهم بالتأكيد ، في إبراز فعل القسم مؤكدا بالنفي المذكور . وقد قرر الزمخشريّ هذا المعنى في دخول ( لا ) عند قوله ( لا ) عند قوله لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ على وجه مجمل ، هذا بسطه وإيضاحه . فإذا بين ذلك ، فهذا الوهم الذي يراد إزاحته في القسم بغير اللّه ، مندفع في الإقسام باللّه . فلا يحتاج إلى دخول ( لا ) مؤكدة للقسم . فيتعين حملها على الموطئة . ولا تكاد تجدها ، في غير الكتاب العزيز ، داخلة على قسم مثبت . وأما دخولها في القسم ، وجوابه نفي ، فكثير مثل : فلا وأبيك ابنة العامريّ * لا يدّعي القوم أنّي أفرّ وكقوله :